بين التعديل والتغيير
وقد تبنى المستشار سعيد الجمل رئيس محكمة استئناف القاهرة فكرة تعديل الدستور بشكل كلي، وحبّذ الرجوع إلى مشروع دستور عام 1954 والذي في نظره أدق وأفضل في نصوصه من الدستور الحالي، والذي يُقرّ صراحة بالأخذ بنظام الجمهورية البرلمانية، وأن رئيس الدولة يسود ولا يحكم، ويعطي مجلس الوزراء السلطة التنفيذية كاملة .
وقد انحاز المشروع إلى استقلال السلطة القضائية بحق ورفض المحاكم الاستثنائية وألا يُحاكَم المواطن إلا أمام قاضيه الطبيعي تحت أي ظرف مع الفصل بين سلطتي الاتهام والتحقيق خاصة في جرائم الجنايات والجرائم السياسية وجرائم الصحافة والتعبير عن الرأي، والتي ينبغي أن يقوم التحقيق فيها بواسطة قُضاة، وأكد على أهمية النص على عدم مصادرة الحقوق والواجبات الدستورية حتى بالقوانين المُنظِّمة لها فلا يليق أن يُسلَب حق بدعوى تنظيمه بواسطة المُشرع القانوني ..
أما الأستاذ عصام الإسلامبولي المحامي بالنقض والخبير القانوني فبرغم تشككه في نوايا الحزب الحاكم والقائمين على التشريع داخل الحزب الوطني خاصة الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب وأنهم لا يريدون إصلاحًا دستوريًا حقيقيًا وإنما مجرد عملية ترقيع تُفرغ المطالب الوطنية الإصلاحية من مضمونها كما حدث في تعديل المادة 76 من الدستور وقد انتهت إلى استفتاء في شكل انتخاب ليس إلا !!
إلا أنه أيد مبدأ تغيير الدستور بشكل كُلّي مع الحذر من العوامل الدولية خاصة بعد سقوط الشيوعية وهيمنة القطب الأوحد على شئون العالَم واعتبار الإسلام هو العدو المُنتَظَر (كما حدد نيكسون ) وأن هذه القوى العلمانية ستعمل على إفقادنا هويتنا وديانتنا من خلال التعديل الدستوري وطالب أن يتم وضع مشروع الدستور الجديد عن طريق جمعية شعبية عامة، وعليها ألا تنحاز إلى مشروع دون آخر منذ دستور 1923 وحتى دستور 1971 بل عليها أن ترجع إلى التأملات الدستورية للدكتور إبراهيم شحاتة ومشروع لجنة الإصلاح الدستوري ( د. حلمي مراد، د. محمد عصفور، د. يحيى الرفاعي ) ومشروع عام 1979 من إعداد المستشار الدكتور مصطفى كامل وصفي رغم انحيازي الأخير إلى فكرة الدولة الدينية، ومن المهم وضع المعايير الدولية كالقانون الطبيعي والعدالة والمبادئ الدستورية الحقوقية التي استقر عليها المجتمع الدولي كمبدأ المساواة ومبدأ تكافؤ الفرص وأن يُنصّ على أن المبادئ الدستورية تعلو عند التصادم بين نص دستوري وآخر .
وبرّر الإسلامبولي الحاجة إلى تعديل أو إبدال دستور 1971 بأنه ظرفه التاريخي والاجتماعي والاقتصادي قد تغير في كثيرٍ من النواحي عن وقت إصداره، فقد صدر في ظل نظام الحزب الواحد وبيان العمل الوطني ( 30 مارس) وتعظيم فكرة الديمقراطية الاشتراكية، وقد تغيرت هذه الظروف الاجتماعية والاقتصادية على نقيض هذه الفلسفة تمامًا .
ودعى الإسلامبولي إلى دراسة نظام حكومة الجمعية والذي يُرجع السلطة إلى الشعب وهو النظام الذي يتجنب السياسيون الخوض فيه ولا يأخذ حقه حتى في الدراسة القانونية في كليات الحقوق !! رغم تطبيقه في دول مثل سويسرا والدول الإسكندينافية، وأكد على أن فكرة الإصلاح القضائي في وضعنا الراهن هي قاطرة الإصلاح السياسي في البلاد وضرورة أن تُسنَد السلطة القضائية إلى مجلس مشترك من القضاة يمثلون القضاء الدستوري والعادي والإداري ( بما يعني توحيد القضاء في مصر )، وبالتالي نزع هذه السلطة من وزير العدل فهو ممثل للسلطة التنفيذية .
بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني
أما الدكتور رفعت لقوشة فطرح فكرة مخالفة بضرورة أن تأخذ مصر بالنظام الرئاسي الديمقراطي الذي يُنتخَب فيه رئيس الجمهورية ونائبه من قِبَل الشعب انتخابًا حرًا مباشرًا في بطاقة واحدة، ويشكل الرئيس الوزارة مع إلغاء منصب رئيس الوزراء، ويتولى الرئيس مسئولية السلطة التنفيذية ويكون محاسَبًا ومُراقَبًا في أدائها أمام البرلمان .
وطالب بإلغاء نسبة ال 50% للعمال والفلاحين والتي اعتبرها حالة حضانة مؤقتة لفئات اجتماعية قد انتفت الحاجة إليها في ظل وجود نظام تعدد الأحزاب الذي يسمح لجميع الفئات بتشكيل أحزاب تُعبّر عن رؤاها وإرادتها .. خاصة أن التجربة العملية تشهد تحايل الجميع على هذه " الكوتة " المخصصة للعمال والفلاحين .
أزمة النص والتطبيق
ومن جانبه استعرض النائب والقانوني الدكتور أحمد أبو بكر جوانب الأزمة الحالية بأن نصوص الدستور ليست كلها على شاكلة واحدة، بل هناك أجواء كاملة لا خلاف عليها مثل باب المقومات الاجتماعية وباب الحقوق والحريات ولكنها تظل نصوصًا يتم إجهادها في الواقع العملي بدعوى الطوارئ تارة، أو بواسطة القوانين المُنظّمة لهذه الحقوق والحريات تارة أخرى ..
ولكنه أكد في نفس الوقت على ضرورة إدخال تعديلات عاجلة على باب رئيس الجمهورية بتحديد مدة الولاية والصلاحيات والسلطات الممنوحة لرئيس الدولة، كذلك باب المقومات الاقتصادية كشكل الملكية ومقومات الإنتاج أو علاقات الإنتاج ( المواد 29 إلى 39)، وكذلك مسائل القضاء الدستوري وتعيين المحكمة الدستورية .
الفصل الحقيقي بين السلطات
ومن جانبه حذر النائب حسين محمد إبراهيم من الطريقة التي يجري بها استطلاع رأي النواب حول التعديلات الدستورية المقترحة، وأنه يمثل حالة من الافتئات على إرادة النواب والتفاف حول المطالب الإصلاحية وأنه خطوة لتمرير تعديلات لا تمثل المطالب الوطنية على وجه الحقيقة، بل تعديلات مُفخَّخَة على طريقة تعديل المادة 76 من الدستور .
وضرورة معالجة العوار الدستوري في انتهاك مبدأ الفصل بين السلطات الذي أدى إلى تغول السلطة التنفيذية على السلطة القضائية وتغول السلطة التشريعية على السلطة القضائية، وأبرز مثال كاعتبار أحكام محكمة النقض في مسألة صحة العضوية مجرد رأي استشاري وليس حكمًا قضائيًا !! كذلك ضرورة أن يُقرَّر لأعضاء مجلس الشعب حق إدخال تعديلات جزئية على مشروع الموازنة العامة للدولة كحق للسلطة التشريعية .
أما الدكتور محمد مرسي الرئيس السابق للكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين فقد طالب الجمع بين الطريقين، الأول الضغط من خلال نُواب الإخوان والمعارضة والمستقلين لإخراج التعديلات المطروحة على أحسن صورة ممكنة تحقق المطالب الإصلاحية وفي نفس الوقت تفعيل اقتراح مشروع جديد تطرحه الجماعة الوطنية عن طريق آليات المجتمع المدني والقوى الوطنية .